علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

111

الصداقة والصديق

وبذل المال ، وتقديم الوفاء ، وحفظ الذّمام ، وإخلاص المودّة ، ورعاية الغيب ، وتوقّر الشهادة ، ورفض الموجدة ، وكظم الغيظ ، واستعمال الحلم ، ومجانبة الخلاف ، واحتمال الكلّ « 1 » ، وبذل المعونة ، وحمل المئونة ، وطلاقة الوجه ، ولطف اللسان ، وحسن الاستنابة « 2 » والثبات على الثّقة ، والصبر على الضّرّاء « 3 » ، والمشاركة في البأساء « 4 » ، والعلاقة ، وإن كانت تستعير من هذه الأبواب شيئا فليس ذلك لأنه من عتادها وأساسها ، ولا ما لا يتمّ إلّا به ، ولكن من أجل التحسّن والتزيّن ، وهذا الذي قاله هذا الشيخ كلام قصد « 5 » ، قريب ، سليم ، مقبول ، ولسنا نتعقبه بنقص ، ولا نقدح فيه باعتراض ، لأن العاشق والمعشوق ليسا من الصديق والصديق ، وإن كانوا يتشابهون ببعض الأخلاق ، ويتلاقون في بعض الأحوال ، فليكن هذا الرسم كافيا محفوظا ، فإن المغالطة قد تقع في هذا كثيرا ، والإنصاف يقوم عليه دائما . [ وصية ثمينة ] قال القرباني محمد بن يوسف : قلت للثّوري « 6 » : إني أريد الشام فأوصني قال : إن قدرت أن تنكر كلّ من تعرف فافعل ، وإن استطعت أن تستفيد مائة أخ ، حتى إذا خلصوا لك تسقط منهم تسعة وتسعين ، وتكون في الواحد شاكّا فافعل .

--> ( 1 ) الكلّ : الثقل ويطلق على الواحد وغيره ، وبعض العرب يجمع المذكر والمؤنث على كلول . ( 2 ) ج ق م : الاستنامة . استنابه استنابة : طلبه نائبا له . ( 3 ) الضّراء : الزمانة والشدة والنقص في الأموال والأنفس ، وهي نقيض السّرّاء . ( 4 ) البأساء : الشدة والمشقّة . ( 5 ) قصد : مستقيم . ( 6 ) هو عبد اللّه بن محمد بن هارون أبو محمد ، قرأ على الأصمعي وروى عن أبي عبيدة وغيره ، وقرأ كتاب سيبويه على أبي عمر الجرمي وأخذ عن الأصمعي حتى كان ينسب إليه ، وتوفي وله كتب كثيرة . الفهرست ص 85 .